21192 المشاهدات
أهمية حرية التعبير

بدأت فكرة الحق في حرّية التعبير تظهر منذ القدم في الفلسفة بدءاً مع المدن اليونانية القديمة في الفلسفات الكلاسيكية، ورغم أننا الآن قد نراها كما طرحت حينها ناقصة إلّا أنّها في زمنها كانت تقدماً فكرياً ونقلة نوعية في تاريخ البشرية ككل، فهي اعتراف صريح بوجود الإنسان كفرد وشخصية وعقل مهما كانت انتمائاته من حيث أصله أو لونه وكل الفروق بين بني البشر.

كانت حرّية التعبير في الفلسفة الكلاسيكية قائمة على اجتماع أهل المدينة كلهم في ميدان عام ومناقشتهم للأمور العامة في المدينة، ويحقّ لكلّ شخص منهم إبداء رأيه والتعبير عنه بنفسه دون ممثلين له، ولكن في ذلك الزمن استثنوا الطبقة الدنيا من المجتمع في منحها هذا الحق وذلك ولو أنه ظلم ولكن في ظروفه الزمنية يعتبر قصور في الفكر البشري الجمعي حينها، ومن ثم تطورت هذه المنظومة في تلك المدن مع الفلسفة اليونانية الخاصة بفترة ما بعد سقراط لتصبح تلجأ في غالب الأحيان لممثلين عن الشعب وذلك بسبب كثرة السكان وعدم إمكانية مناقشة الموضوعات حينها بين الجميع.

وانتقلت هذه الثقافة من اليونان إلى كل بلاد العالم عبر الزمن في الحقب الدكتاتورية التي كانت فيها مجموعة أو شخص يستبد بالسلطة ولا يسمح حتى بنقد هذه السلطة من قبل أي شخص خارج هذه السلطة هذا على المستوى السياسي، أمّا المستوى الاجتماعي فقد كانت الدولة تفرض منعاً لمناقشة بعض الأمور وسماحاً لبعضها الآخر حسب مصالح الدولة أو النهج الذي تتبناه، فمثلاً في العصور الوسطى كان الفن في أوروبا في بعض جوانبه يعتبر اخلالاً بالآداب العامة، والعلم في بعض أموره يعتبر إخلالاً في المعتقدات، ولم يزل هذا التسلط إلّا بعد الثورات التي اجتاحت أوروبا ككل، وبعد هذه الثورات أصبح هناك نقلة نوعية أخرى في مجال حرية الرأي وهي تمت من خلالها نهضة أوروبا وهذه الحرية بالذات هي التي أدت لتبادل الأفكار والخبرات بين البشر والبناء عليها، حرية طرح ما هو جديد ونقد ما هو موجود وتقيم ما هو قديم جعل من الممكن تحديد خط سير البشرية وأدائها حتى سمي هذا العصر بعصر النهضة ومن بعده عصر التنوير وهما عصراً التأسيس للعلم والفن والفكر والفلسفة وكل نواحي الحياة التي من شأنها أن تتقدم بالإنسان.

بعد ذلك بسبب الحروب العالمية ووصول بعض الدكتاتوريين للسلطة تم التعتيم على حرية التعبير من جديد وعاش العالم في ويلات الجهل ومجدداً أثبت هذا الحق أهميته بعد زوال ويلات الحرب بوثيقة حقوق الإنسان التي نصت حرفاً على أن التعبير حق لكل إنسان بغض النظر عن أي تصنيف، وعدم الاقتناع به لا يعني رفضه ولا يمكن اضطهاد أي إنسان تبعاً لأرائه بأي شيء، وهذه كانت النقلة الحقيقية في العصر الحديث. وبعد هذا السرد الموجز لتاريخانية حرية التعبير يمكن أن نستشف أن هذه الحرية هي التي تبني الحضارات لأنها بداية تعترف بعقل الإنسان ووعيه وأهميته وعدمها يعني الظلام والتخبط واللجوء للقوة والحروب في تسوية الأمور وهو ما يعتبر هدماً لأي حضارة.