18722 المشاهدات
ايا من يدعي الفهم

ايا من يدعي الفهم

قصيدة أيا من يدعي الفهم من المقامات المعروفة بمقامات الحريري لمؤلفها محمد الحريري البصري ، وهي تتكون من خمسون مقامة على غرار مقامات بديع الزمان الهمذاني الذي ابتكر هذا الفن ، وهو نوع من القص الأدبي يلتزم مؤلفه بالصنعة فيعتمد على السجع والبديع ، وهذه القصيدة من المقامة السامية . وقد انتشرت تلك القصيدة بعد أن أنشدها الشيخ مشاري العفاسي ، وكلماتها تقول :

أيا مَن يدّعي الفَـهْـمْ … إلى كمْ يا أخا الوَهْـمْ

تُعبّي الـذّنْـبَ والـذمّ … وتُخْطي الخَطأ الجَـمّ

أمَا بانَ لـكَ الـعـيْبْ … أمَا أنْـذرَكَ الـشّـيبْ

وما في نُصحِـهِ ريْبْ … ولا سمْعُكَ قـدْ صـمّ

أمَا نادَى بكَ الـمـوتْ … أمَا أسْمَعَك الصّـوْتْ

أما تخشَى من الفَـوْتْ … فتَحْـتـاطَ وتـهـتـمْ

فكمْ تسدَرُ في السهْـوْ … وتختالُ من الـزهْـوْ

وتنْصَبُّ إلى الـلّـهـوْ … كأنّ الموتَ مـا عَـمّ

وحَـتّـام تَـجـافـيكْ … وإبْـطـاءُ تـلافـيكْ

طِباعاً جمْعـتْ فـيكْ … عُيوباً شمْلُها انْـضَـمّ

إذا أسخَطْـتَ مـوْلاكْ … فَما تقْلَـقُ مـنْ ذاكْ

وإنْ أخفَقَ مسـعـاكْ … تلظّيتَ مـنَ الـهـمّ

وإنْ لاحَ لكَ النّـقـشْ … منَ الأصفَرِ تهـتَـشّ

وإن مرّ بك النّـعـشْ … تغامَـمْـتَ ولا غـمّ

تُعاصي النّاصِحَ البَـرّ … وتعْـتـاصُ وتَـزْوَرّ

وتنْقـادُ لـمَـنْ غَـرّ … ومنْ مانَ ومـنْ نَـمّ

وتسعى في هَوى النّفسْ … وتحْتالُ على الفَـلْـسْ

وتنسَى ظُلمةَ الرّمـسْ … ولا تَـذكُـرُ مـا ثَـمّ

ولوْ لاحظَـكَ الـحـظّ … لما طاحَ بكَ اللّـحْـظْ

ولا كُنتَ إذا الـوَعـظْ … جَلا الأحزانَ تغْـتَـمّ

ستُذْري الدّمَ لا الدّمْـعْ … إذا عايَنْتَ لا جـمْـعْ

يَقي في عَرصَةِ الجمعْ … ولا خـالَ ولا عــمّ

كأني بـكَ تـنـحـطّ … إلى اللحْدِ وتـنْـغـطّ

وقد أسلمَك الـرّهـطْ … إلى أضيَقَ مـنْ سـمّ

هُناك الجسمُ مـمـدودْ … ليستـأكِـلَـهُ الـدّودْ

إلى أن ينخَرَ الـعـودْ … ويُمسي العظمُ قـد رمّ

ومنْ بـعْـدُ فـلا بُـدّ … منَ العرْضِ إذا اعتُـدّ

صِراطٌ جَـسْـرُهُ مُـدّ … على النارِ لـمَـنْ أمّ

فكمْ من مُرشـدٍ ضـلّ … ومـنْ ذي عِـزةٍ ذَلّ

وكم مـن عـالِـمٍ زلّ … وقال الخطْبُ قد طـمّ

فبادِرْ أيّها الـغُـمْـرْ … لِما يحْلو بـهِ الـمُـرّ

فقد كادَ يهي العُـمـرْ … وما أقلعْـتَ عـن ذمّ

ولا ترْكَنْ إلى الدهـرْ … وإنْ لانَ وإن ســرّ

فتُلْفى كمـنْ اغـتَـرّ … بأفعى تنفُـثُ الـسـمّ

وخفّضْ منْ تـراقـيكْ … فإنّ المـوتَ لاقِـيكْ

وسارٍ فـي تـراقـيكْ … وما ينـكُـلُ إنْ هـمّ

وجانِبْ صعَرَ الـخـدّ … إذا ساعـدَكَ الـجـدّ

وزُمّ اللـفْـظَ إنْ نـدّ … فَما أسـعَـدَ مَـنْ زمّ

ونفِّسْ عن أخي البـثّ … وصـدّقْـهُ إذا نــثّ

ورُمّ العـمَـلَ الـرثّ … فقد أفـلـحَ مَـنْ رمّ

ورِشْ مَن ريشُهُ انحصّ … بما عمّ ومـا خـصّ

ولا تأسَ على النّقـصْ … ولا تحرِصْ على اللَّمّ

وعادِ الخُلُـقَ الـرّذْلْ … وعوّدْ كفّـكَ الـبـذْلْ

ولا تستمِـعِ الـعـذلْ … ونزّهْها عنِ الـضـمّ

وزوّدْ نفسَكَ الـخـيرْ … ودعْ ما يُعقِبُ الضّـيرْ

وهيّئ مركبَ الـسّـيرْ … وخَفْ منْ لُـجّةِ الـيمّ

بِذا أُوصـيتُ يا صـاحْ … وقد بُحتُ كمَـن بـاحْ

فطوبى لـفـتًـى راحْ … بآدابـــيَ يأتَـــم

وقد قال الحريري في ذات المقامة أيضا محدثاً شيخه :

إلى كمْ يا أبا زيدْ … أفانينُكَ في الكيدْ

ليَنحاشَ لكَ الصيدْ … ولا تعْبا بمَنْ ذمّ

فأجابَ من غيرِ استِحْياء. ولا ارْتِياء. وقال:

تبصّـرْ ودعِ الـلـوْمْ … وقُلْ لي هل تَرى اليومْ

فتًى لا يقمُـرُ الـقـومْ … متى ما دَسـتُـهُ تـمّ .